في زاويةٍ قصية من المحراب، حيث يلفُّ الصمتُ ملامحَ الشيخوخةِ في زكريا، ارتفعَ صوتٌ خفيٌّ يرجو امتداداً لا ينقطع. لم تكن الإجابةُ مجردَ طفل، بل كانت اسماً لم يطرق أسماع البشرية من قبل، صاغه الخالقُ بنفسه ليكون بشارةً تكسرُ حاجزَ العقم وتعلنُ انتصارَ الحياة على العدم.
"يحيى" ليس مجرد حروفٍ تُنادى، بل هو فعلٌ مضارعٌ مستمرٌ يعلنُ البقاء. حين نطقَ الوحيُ بهذا الاسم، كان يمنحُ الوجودَ طاقةً متجددة، وكأنَّ كلَّ من يحملُ هذا الاسم يحملُ معه سرَّ الانبعاثِ والقوة، والقدرةَ على الثباتِ في وجهِ رياحِ اليأس، مستمداً نورَه من قصةِ النبيِّ الذي أُوتيَ الحكمَ صبياً.
يمتدُّ هذا الاسم في الوجدان العربي والإسلامي كخيطٍ من النور يربطُ الأرضَ بالسماء. فهو يجسدُ النقاءَ الذي لم يتلوث بآثامِ الزمان، والزهدَ الذي يرى في طاعةِ الخالقِ أسمى مراتبِ العيش. إنه الاسم الذي اختاره اللهُ ليكونَ علامةً فارقة في تاريخِ النبوة، فصارَ رمزاً لكلِّ روحٍ تتوقُ إلى الخلودِ بذكرِها الطيب.